ابو القاسم عبد الكريم القشيري

46

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 63 ] أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) إذا أظلم الوقت على صاحبه في متعارض الخواطر عند استبهام وجه الصواب ، وضاق الأمر بسبب وحشة التدبير وظلمات أحوال التجويز ، والتحيّر عند طلب ترجيح بعض الخواطر على بعض بشواهد العقل . . فمن الذي يرشدكم لوجه الصواب بترك التدبير ، وللاستسلام لحكم التقدير ، وللخروج من ظلمات مجوّزات العقول إلى قضايا شهود التقدير ، وتفويض الأمر إلى اختيار الحق ، والاستسلام لما جرت به الأقسام ، وسبقت به الأقدار ؟ . « . . وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » . من الذي يرسل رياح فضله بين يدي أنوار اختياره فيمحو آثار اختيار نفسك ، ويعجّل بحسن الكفاية لك ؟ . ويقال : يرسل رياح التوكل فيطهّر القلوب من آثار الاختيار وأوضار التدبير ، ثم يطلع شموس الرضا فيحصل برد الكفاية فوق المأمول في حال سكينة القلب . . أإله مع اللّه ؟ « تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » : من إحالة المقادير على الأسباب . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 64 ] أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) يظهر ما يظهر بقدرته على مقتضى سابق حكمه ، ويخصص ما تعلقت به مشيئته وحقّ فيه قوله ، وسبق به قضاؤه وقدره . فإذا زال وانتفى وانعدم بعض ما يظهر ويخصص . . فمن الذي يعيده مثلما بدأه ؟ ومن الذي يضيّق الرزق ويوسّعه ؟ ومن الذي يقبض في بعض الأوقات على